السيد الطباطبائي

126

الإنسان والعقيدة

وهو المتبوعيّة في الأعمال ، ووصفه هناك باستنساخ الأعمال منه ، فهو واحد . ثمّ بيّن سبحانه تفاوت أخذهم الكتاب بالسعادة والشقاوة ، فقال : يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ « 1 » إلى أن قال : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ « 2 » واليمين والشمال جانبا الإنسان : القوي والضعيف ، أو اليدان التاليتان لهما ، أو جانبا السعادة والشقاوة . وليس المراد وضع الكتاب في يد الإنسان اليمنى أو اليسرى على ما يفهمه الظاهريّون من المحدّثين وغيرهم ؛ إذ لم يقل سبحانه أوتي كتابه ليمينه أو لشماله ، بل أتى بالباء المفيد للوساطة ، ويشهد به قوله سبحانه : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً * وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً « 3 » . فقد وضع مكان الشمال قوله : وَراءَ ظَهْرِهِ ، وقوله سبحانه : يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا * وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا « 4 » . فقد قال سبحانه إنّه يدعوهم بإمامهم ، ولم يقل إلى إمامهم ، وقد قال كلّ أمّة تدعى إلى كتابها ولم يقل بكتابها ، فالدعوة بالإمام غير الدعوة إلى الكتاب .

--> ( 1 ) سورة الحاقّة : الآيات 18 - 20 . ( 2 ) سورة الحاقّة : الآيتان 25 و 26 . ( 3 ) سورة الانشقاق : الآيات 7 - 11 . ( 4 ) سورة الإسراء : الآيتان 71 - 72 .